أبو علي سينا

158

رسائل ابن سينا ( ط استانبول )

متناه بهذه الصفة دلالة وهو متناه وهذا كله بكلام طويل مبنى على أصول مجمرة فاما ما ذكره صاحب هذه الشبهة وهو عبد الجبار بان المعنى بالفضاء هو المعنى بالمحاذاة فهو غليط من كليهما فان المحاذاة صفة إضافية للمحاذى بالقياس إلى المحاذى حتى لو لم يكن أحدهما استحال وجودها والخلاء ان كان موجودا فهو ما يتقرر وجوده بذاته لا بالقياس إلى غيره فلو قالا إن الخلاء ما يقع فيه المحاذاة لكان لهذا الكلام معنى وسوا قلت فضاء أو خلاء فان اعني بذلك معنى واحد فمن استنكر ذلك فليضع يدلّ كلّ لفظ خلاء فيما يجرى من كلامي لفظه الفضاء واما قوله أنتم سمّوه مكانا فقد فعلوا واما قوله وقد سمّوه مركزا فما قال ذلك أحد ولا يستقيم بوجه من الوجوه ان يجعل المركز خلاء إذا المركز نقطة والنقطة لا يسع جسما البتة فإذا قالوا إن كذا هو في المركز فمعناه ان عند المركز وهو نقط مجارى يستعملونه واما قوله انه واسع لذاته وهو متناقض لقوله انه غير متجزى وانه واحد محض وانه لا بعد له ولا قطر . اللهم الا ان يكون في قوله واسع لذاته رامزا أو ملغزا أو صارفا اللفظ عن المفهوم والمتعارف إلى اصطلاح يختص به ويكون المعنى في السعة الا انه قابل لابعاد الأجسام بانحيازها فيه بل على أنه مدير ومصرف لكلّ شيء من غير أن يكون لها وجود وفيه فان قال هذا فليس هذا المدير قائم في العقول بالضرورة ولا في الأوهام واما ان عنى بالسعة ان يشتمل على الأجسام ويوضع فيه فيكون كلّ جسم مختصا منه نحر هو بعض منه أو لا يتداخل الأجسام بل يتميّز في مواضعها حدود محدودة من جملة هذا الفضاء كلّ موضع منها شطر من هذا الفضاء غير موضع الآخر وما وجد في ذاته هذا الاختلاف فهو قابل لانّ يوجد منه شيء دون شيء وان يشار إلى شيء منه دون شيء فكيف يكون واحدا حقا لا جزء له ولا بعض وكيف يتحلى ما لا ينقسم ولا بعد له محاله بعد وكيف يطابق مكان لا جزء له ولا جهة وممكنا له جزء جهة فهو الذي هو الفضاء هو شيء متوهم ذاهبا في كلّ قطر وقول الوهم إياه كالأمر الضروري في الوهم فإذا اخذ الوهم مكان العقل ظن ضروريا في العقل وليس كذلك بل العقل هو الحاكم ببطلانه والمقيم عليه الحلى من برهانه فاما سبب وقوعه في الوهم